الشيخ السبحاني
15
بحوث في الملل والنحل
لمحة عن حياة الماتريدي من المؤسف جدّاً إهمال كثير من المؤرخين ، وكتب التراجم ، ذكر الامام الماتريدي ، وتبيين خصوصيات حياته ، بل ربّما أهملوا الإشارة إليه عندما يجب ذكره أو الإشارة إليه ، فإنّ الرجل من أئمة المتكلّمين ، وأقطاب التفسير في عصره فكان الإلمام بحياته عند ذكر طبقات المتكلّمين والمفسرين لازماً ، وهذا خلاف ما نجده من العناية المؤكّدة بذكر الأشعري ، وتبيين حياته ، والإشارة إلى خصوصياتها ، حتّى رُؤاه ، وأحلامه ، وغلّة ضيعته ، ولعلّ إحدى الدوافع إلى هذا ، هي أنّ الأشعري استوطن في مركز العالم الإسلامي ( العراق ) ، وشهر سيف بيانه وقلمه على الاعتزال في مركز قدرتهم ، وموضع سلطتهم ، فصار ذلك سبباً لأن تمدّ إليه الأعين ، وتشرئب « 1 » نحوه الأعناق ، فيذكره الصديق والعدو في كتبهم بمناسبات شتّى ، وأمّا عديله وقرينه فكان بعيداً عنه ، مستوطناً في نقطة يغلب فيها أهل الحديث وفكرتهم ، وكانت السلطة في مجالي العلم والعمل لهم ، فجهل قدره ، ولم تعلم قيمة نضاله مع خصومهم ، فقلّت العناية به ، وبعلومه ، وأفكاره ، والإشارة إليه . ولأجل ذلك نرى ابن النديم ( المتوفّى 385 ه ) لم يترجمه في فهرسته ، وفي الوقت نفسه ترجم الشيخَ الأشعري ( المتوفّى 330 ه ) ،
--> ( 1 ) . اشْرَأبّ إليه وله : مدّ عنقه أو ارتفع لينظر إليه .